أبي حيان الأندلسي
96
تفسير البحر المحيط
والقواس عن ابن كثير بالرفع على الفاعلية والنصب أبلغ في المعنى وأقوى ، و * ( ءانٍ ) * نافية أي ما * ( يَقُولُونَ ) * و * ( كَذِبًا ) * نعت لمصدر محذوف أي قولاً * ( كَذِبًا ) * . * ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ ) * لعل للترجي في المحبوب وللإشفاق في المحذور . وقال العسكري : فيها هنا هي موضوعة موضع النهي يعني أن المعنى لا تبخع نفسك . وقيل : وضعت موضع الاستفهام تقديره هل أنت * ( بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ) * ؟ وقال ابن عطية : تقرير وتوقيف بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن كذلك . وقال الزمخشري : شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته ، فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم وتلهفاً على فراقهم انتهى . وتكون لعل للاستفهام قول كوفي ، والذي يظهر أنها للإشفاق أشفق أن يبخع الرسول صلى الله عليه وسلم ) نفسه لكونهم لم يؤمنوا . وقوله * ( عَلَىءاثَارِهِمْ ) * استعارة فصيحة من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان وإعراض عن الشرع ، فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في إدبارهم يحزن عليهم ، ومعنى * ( عَلَىءاثَارِهِمْ ) * من بعدهم أي بعد يأسك من إيمانهم أو بعد موتهم على الكفر . ويقال : مات فلان على أثر فلان أي بعده ، وقرئ * ( بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ) * بالإضافة . وقرأ الجمهور : * ( بَاخِعٌ ) * بالتنوين * ( نَّفْسَكَ ) * بالنصب . قال الزمخشري : على الأصل يعني إن اسم الفاعل إذا استوفي شروط العلم فالأصل أن يعمل ، وقد أشار إلى ذلك سيبويه في كتابه . وقال الكسائي : العمل والإضافة سواء ، وقد ذهبنا إلى أن الإضافة أحسن من العمل بما قررناه في ما وضعنا في علم النحو . وقرئ : * ( إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ ) * بكسر الميم وفتحها فمن كسر . فقال الزمخشري : هو يعني اسم الفاعل للاستقبال ، ومن فتح فللمضي يعني حالة الإضافة ، أي لأن * ( لَمْ يُؤْمِنُواْ ) * والإشارة بهذا الحديث إلى القرآن . قال تعالى * ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ) * . و * ( أَسَفاً ) * قال مجاهد : جزعاً . وقال قتادة : غضباً وعنه أيضاً حزناً . وقال السدّي : ندماً وتحسراً . وقال الزجاج : الأسف المبالغة في الحزن والغضب . وقال منذر بن سعيد : الأسف هنا الحزن لأنه على من لا يملك ولا هو تحت يد الآسف ، ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته وملكه كان غضباً كقوله تعالى * ( فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) * أي أغضبونا . قال ابن عطية : وإذا تأملت هذا في كلام العرب اطرد انتهى . وانتصاب * ( أَسَفاً ) * على أنه مفعول من أجله أو على أنه مصدر في موضع الحال ، وارتباط قوله * ( إِنَّا جَعَلْنَا ) * الآية بما قبلها هو على سبيل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ) لأنه تعالى أخبر أنه خلق ما على الأرض من الزينة للإبتلاء والاختبار أي الناس * ( أَحْسَنُ عَمَلاً ) * فليسوا على نمط واحد في الاستقامة واتباع الرسل ، بل لا بد أن يكون فيهم من هو أحسن عملاً ومن هو أسوأ عملاً ، فلا تغتم وتحزن على من فضلت عليه بأنه يكون أسوأ عملاً ومع كونهم يكفرون بي لا أقطع عنهم موادّ هذه النعم التي خلقتها . و * ( جَعَلْنَا ) * هنا بمعنى خلقنا ، والظاهر أن ما يراد بها غير العامل وأنه يراد به العموم فيما لا يعقل . و * ( زِينَةُ ) * كل شيء بحسبه . وقيل : لا يدخل في ذلك ما كان فيه إيذاء من حيوان وحجر ونبات لأنه لا زينة فيه ، ومن قال بالعموم قال فيه * ( زِينَةُ ) * من جهة خلقه وصنعته وإحكامه . وقيل : المراد بما هنا خصوص ما لا بعقل . فقيل : الأشجار والأنهار . وقيل : النبات لما فيه من الاختلاف والأزهار . وقيل : الحيوان المختلف الأشكال والمنافع والأفعال . وقيل : الذهب والفضة والنحاس والرصاص والياقوت والزبرجد والجوهر والمرجان وما يجري مجرى ذلك من نقائس الأحجار . وقال الزمخشري : * ( مَا عَلَى الاْرْضِ ) * يعني ما يصلح أن يكون * ( زِينَةً لَّهَا ) * ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها . وقالت : فرقة أراد النعيم والملابس والثمار والخضرة والمياه . وقيل : * ( مَا ) * هنا لمن يعقل ، فعن مجاهد هو الرجال وقاله ابن جبير عن ابن عباس وروى عكرمة أن الزينة الخلفاء والعلماء والأمراء . وانتصب * ( زِينَةُ ) * على الحال أو على المفعول من أجله إن كان * ( جَعَلْنَا ) * بمعنى خلقنا ، وأوجدنا ، وإن كانت بمعنى صيرنا فانتصب على أنه مفعول ثان . واللام من * ( لِنَبْلُوَهُمْ ) * تتعلق بجعلنا ، والابتلاء الاختبار وهو متأوّل بالنسبة إلى الله